في 14 يناير 2011، وبعد ثمانية وعشرين يومًا من احتجاجات انطلقت من سيدي بوزيد، غادر زين العابدين بن علي تونس إلى المملكة العربية السعودية. ولم يعُد. وذُكر أنّ زوجتَه ليلى الطرابلسي غادرت وبحوزتها 1.5 طنّ من الذهب أُخرج من البنك المركزي التونسي في الساعات التي سبقت مغادرتهما. ونفى البنكُ المركزي وقوعَ أيّ عملية إخراج من هذا القبيل.

ما لا يُختلَف عليه هو حجمُ ما راكمته العائلةُ ومقرَّبوها على مدى ثلاث وعشرين سنة سابقة. قدّرت لجنةُ المصادرة التونسية قيمةَ الأصول المرتبطة بعشيرة بن علي بنحو ثلاثة عشر مليار دولار، أي أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي التونسي في ذلك الحين. وأظهرت أبحاثُ البنك الدولي لاحقًا الحجمَ الاستثنائي لاستحواذ الدولة: 220 شركةً مرتبطة استحوذت على نحو 21% من صافي أرباح القطاع الخاصّ في البلاد.

لم يكن ذلك فسادًا اعتياديًّا. كان اقتصادًا صارت فيه السلطةُ السياسية والتنظيم والإثراء الخاصّ متشابكةً تشابكًا عميقًا.

كانت الاستجابةُ الدولية لسقوط بن علي سريعةً بمعايير استرداد الأصول. ففي غضون أيام، استخدمت سويسرا صلاحياتٍ طارئة لتجميد الأصول المرتبطة بالنظام السابق. وتبعتها فرنسا وكندا ولبنان وإيطاليا وولايات قضائية أخرى. وفرضت الاتحاد الأوروبي تدابيرَ موجَّهة ضدّ أفراد مُسمَّين، فيما أصدر قضاةُ التحقيق التونسيون طلبات تعاون دولية عديدة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. وقدّمت مبادرةُ استرداد الأصول المسروقة مساعدةً تقنية، ودعم شركاءُ دوليون جهودَ تونس القانونية والتحقيقية في الخارج. تحرّكت تونس بسرعة خلال السنوات الأولى من الانتقال، لكنّ القدرة المؤسسية اللازمة لإدامة ذلك الجهد ظلّت ناقصة.

وعلى مدى العقد التالي، لم يُحقِّق مسارُ الاسترداد إلّا القليل قياسًا بالحجم المُشتبَه به للخسارة.

جاء النجاح الجوهري الوحيد في أبريل 2013. فقد أنفذ حكمُ محكمة استئناف بيروت أمرَ مصادرة تونسي على أموال في حساب لدى Lebanese Canadian Bank يخصّ ليلى الطرابلسي. حُوِّل نحو 28.8 مليون دولار إلى تونس، وسُلِّم فعليًّا كصكّ إلى الرئيس منصف المرزوقي من قِبَل علي بن فطيس المري، النائب العام القطري الذي كان يشغل موقع «المستشار الخاصّ» لاسترداد الأصول المسروقة لدى مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. كانت تلك أوّلَ عملية استرداد لأصول مسروقة تُنفَّذ في العالم العربي. وتلتها استردادات في الفترة نفسها: يخت من إسبانيا، وطائرات من سويسرا، ويخت آخر من إيطاليا في 2015.

غير أنّ هذه الإعادات، قياسًا بالحجم المقدَّر للثروة التي راكمتها عائلة الحكم السابقة، ظلّت محدودة.

غطّى التجميدُ السويسري نحو 66 مليون دولار من الأصول المرتبطة ببن علي. وبلغت الدفعةُ الأولى المُفرَج عنها إلى تونس في 2016 نحو 230 ألف دولار. وتبعتها دفعاتٌ صغيرة. وبنهاية العقد، لم يتحوّل من التجميد السويسري إلى إعادة فعلية إلّا جزءٌ يسير. وفي أكتوبر 2019، حكمت المحكمةُ الجنائية الفيدرالية السويسرية بأنّ الأدلّة التي قدّمتها تونس ضدّ الأخوَين مبروك، صهرَي بن علي، غير كافية، ورفعت التجميد عن أصولهما. ورُفض استئناف تونس.

وفي يناير 2019، أزالت الاتحاد الأوروبي مروان مبروك — صهرًا سابقًا لبن علي — من قائمة تجميد الأصول بناءً على طلبٍ من وزارة الشؤون الخارجية التونسية.

يستحقّ ذلك القرارُ الانتباه.

فقبل مرور ثماني سنوات على الثورة، دعمت الدولةُ الطالبة نفسُها إخراج فرد من إطار عقوبات كان قد أُنشئ أصلًا لحماية الأصول التي يُحتمَل ارتباطُها بالنظام السابق. أيًّا كان المسوِّغ السياسي أو القانوني في تلك الحالة الفردية، فإنّ القرار كشف عن هشاشةٍ أوسع. لا يستطيع جهدٌ دولي للاسترداد أن يظلّ فعّالًا حين يصبح الالتزامُ السياسي المحلّي منقسمًا أو غير متّسق أو غير مُدام. فحين يضعف عزمُ الدولة الطالبة، تفتقر الأطرافُ الدولية إلى تكليف أو حافز لمواصلة الملاحقة نيابةً عنها.

وبحلول نهاية العقد، لم تمثّل القيمةُ الإجمالية المُعادة إلى تونس إلّا نسبةً ضئيلة من الثروة التي يُعتقَد أنّها اختُلست. وظلّ عدد من أفراد عائلة الحكم السابقة يعيشون في الخارج. وبقي تعاونُ بعض الولايات القضائية المعنية محدودًا، فيما صارت الإجراءات القانونية متشظّية ويصعب إدامتها. وأصبحت الهوّة بين مظهر التجميد وأثر الاسترداد الفعلي واحدةً من أوضح دروس الحالة التونسية.

أهمّ الدروس يتحدّث مباشرةً إلى فرضيّة sovTrr. الانتقالُ السياسي يخلق فتحةً؛ لكنّه لا يخلق بنية. في اللحظة التي تلي سقوط النظام، سيتحرّك المجتمعُ الدولي بسرعة. وستكون القيادةُ السياسية للدولة الطالبة — لبرهة — في أقوى موقع تفاوضي ستحوزه. فإن كانت لديها في تلك النافذة القدرةُ المؤسسية لتحويل الفتحة إلى ماكينة استرداد دائمة، فسيعود بعض الثروة. وإن لم تكن، تُغلَق النافذة. وبعد أن تُغلَق، لن يُعيد النظامُ الدولي ذاته الذي فتحها فتحَها.

كانت الإخفاقاتُ التونسية المحدّدة مؤسسيةً وقانونية: مواطن ضعف في الإطار المحلّي للتجميد والمصادرة، وغموض حول الهيئة التي تحوز فعلًا صلاحية ملاحقة الأصول الأجنبية، وقصور في قدرة جمع الأدلّة على استيفاء معايير المحاكم المضيفة، واعتماد ثقيل على التعاون الأجنبي للقيام بعمل ينبغي لمؤسسات الدولة صاحبة المطالبة أن تُنجزه مباشرة. كلُّ ذلك قابلٌ للإصلاح من حيث المبدأ. ولم يُصلَح أيٌّ منه في الوقت المناسب.

الاسترداد ليس هو الاستعادة. وفي الحالة التونسية يمكن أن يُضاف اليوم: الاسترداد ليس حتى مثل الملاحقة. لا يكفي أن تكون الدولةُ صاحبة المطالبة جاهزةً قانونيًّا للمطالبة بأصولها؛ بل يجب أن تكون جاهزةً سياسيًّا ومؤسسيًّا لمواصلة المطالبة سنةً بعد سنة، عبر تغيّرات الحكومات وتحوّلات الاهتمام الدولي، حتى تعود الأصولُ فعلًا إلى الوطن.

وذلك ما وُجدت لأجله بنيةٌ سيادية منظَّمة للاسترداد، إذا بُنيت كما يجب.