لم تسقط حكومةُ فوجيموري تدريجيًّا؛ بل انهارت خلال شهرَين. ففي سبتمبر 2000 ظهر شريطُ فيديو يُصوِّر فلاديميرو مونتيسينوس، رئيس المخابرات وأقرب مستشار لفوجيموري، وهو يُسلّم خمسة عشر ألف دولار نقدًا إلى نائب معارض مقابل تحوّله بين الأحزاب. وفي غضون أسابيع، برزت مئاتُ الأشرطة من أرشيف مونتيسينوس نفسِه توثّق عقدًا من النفوذ المدفوع على السياسيّين والقضاة وأصحاب المحطّات التلفزيونية ورجال الأعمال. وسافر فوجيموري إلى اليابان في نوفمبر بذريعة قمّة «آبيك»، وأرسل استقالتَه بالفاكس إلى ليما، ولم يعُد سبعَ سنوات. وصوّت الكونغرسُ في بيرو على إقالته لعدم أهليّته الأخلاقية.

ما حدث بعد ذلك هو الجزء الذي يُشير إليه دارسو استرداد الأصول الدوليّون أوّلًا. لم تنتظر بيرو. فبين نوفمبر 2000 ومنتصف 2002، وفي عهد حكومة بانياغوا الانتقالية ثمّ في عهد الرئيس أليخاندرو توليدو، بنَت الدولةُ بنيةً متخصّصة لمكافحة الفساد من الصفر تقريبًا. فأُنشئت نيابةٌ عامّة متخصّصة لمكافحة الفساد. وأُسّست محاكم متخصّصة لمكافحة الفساد. وشُكِّل فريقٌ قانوني بتكليف واضح لملاحقة الشبكة المالية الدولية لمونتيسينوس التي امتدّت عبر اثنتَي عشرة ولاية قضائية على الأقلّ. ونسّق المدّعون العامون البيروفيّون مع نظرائهم في كلٍّ منها. وصدرت طلباتُ المساعدة القانونية المتبادلة في أشهر لا سنوات.

كانت النتائج كبيرة. أمرت النيابةُ العامّة لكانتون زيورخ عام 2002 بإعادة نحو 77 مليون دولار إلى بيرو نتيجةَ إجراءات غسل أموال سويسرية تخصّ مونتيسينوس. وأعادت جزرُ كايمان نحو 33 مليون دولار عام 2001. وأعادت الولاياتُ المتحدة نحو 20 مليون دولار عام 2004 بموجب ترتيب ثنائي لتقاسم الأصول. وبلغ إجماليّ ما أُعيد خلال العقد الأوّل من سقوط فوجيموري نحو 185 مليون دولار. لم يكن ذلك إلّا جزءًا يسيرًا ممّا يُعتقَد أنّ مونتيسينوس وشبكتَه قد حرّكوه، لكنّه ظلّ استردادًا جادًّا بمعايير التحوّلات السياسية المُماثلة.

تجربةُ بيرو، بشروطها الخاصّة، حجّة للسرعة. فحين تستطيع دولةٌ التحرّكَ في أشهرٍ من انهيار سياسي، والأدلّةُ طازجة، والشهودُ متعاونون، والتعاطفُ الدولي في ذروته، تستطيع تحويلَ الانتقال إلى استرداد بطريقة لا يستطيع أيّ قدر من الجهد اللاحق تكرارها.

لكنّ تجربة بيرو تطرح أيضًا السؤال الذي يظهر في قضايا استرداد كبرى عدّة: ماذا يحدث للأموال بعد عودتها إلى الوطن؟

في أكتوبر 2001، أنشأت بيرو بمرسوم طارئ «الصندوق الخاصّ لإدارة الأموال المحصَّلة بطرق غير مشروعة على حساب الدولة» — المعروف باسم FEDADOI. صُمّم الصندوق بوصفه الوجهةَ المركزية لعائدات الفساد التي تستردّها الدولةُ البيروفية. وتألّف مجلسُه من ممثّلين لخمس وكالات حكومية منخرطة في جهود مكافحة الفساد. اتُّخذت القراراتُ المتعلّقة بتخصيص الأموال المستردّة من قِبَل مجلس FEDADOI لا من قِبَل الكونغرس أو هيئة خارجية مستقلّة. وهذا القرار التصميمي هو ما يُحوّل الحالةَ البيروفية من سابقةٍ إلى مثال تحذيري.

كانت المشكلة هيكلية لا أخلاقية بالضرورة.

الوكالاتُ الخمس الممثَّلة في مجلس FEDADOI هي المؤسسات ذاتها التي كانت تنفّذ الملاحقات القضائية لمكافحة الفساد وإجراءات التسليم وأعمال استرداد الأصول. فكانت مسؤولةً في آنٍ عن ملاحقة الأموال وعن جزءٍ — على الأقلّ — من قرار كيفية استخدام تلك الأموال لاحقًا. ونُسب إلى وزير العدل البيروفي أنّه قال إنّ المحامين الذين يلاحقون تسليم فوجيموري من تشيلي سيتقاضَون أتعابهم من FEDADOI. كما وُجِّهت مبالغُ كبيرة إلى نظام الملاحقات القضائية لمكافحة الفساد نفسِه.

قد يكون ذلك بدا مقبولًا من الناحية التشغيلية؛ فمؤسّسات مكافحة الفساد كانت شحيحة الموارد، وقدّمت الأموال المستردّة مصدرًا واضحًا لدعم مواصلة عمل الاسترداد. لكنّه كان في الوقت نفسه إشكاليًّا هيكليًّا. فالهيئاتُ المسؤولة عن ملاحقة الأصول المستردّة شاركت أيضًا في قرارات استخدامها لاحقًا. وأنشأ ذلك التداخل خطرًا كامنًا بأن تؤثّر الحاجاتُ المؤسسية الفورية في قرارات التخصيص، حتى حين تبدو تلك القراراتُ معقولةً تشغيليًّا.

ليس الدرس أنّ FEDADOI كان خطأً. بل يجب أن تكون سلطته ومساءلته وترتيباتُ صنع القرار فيه صلبة بما يكفي لحماية الثروة المستردّة من التضارب المؤسسي والضغوط قصيرة الأمد وتحوّلات الاتجاه السياسي.

الاسترداد ليس هو الاستعادة.

بالنسبة إلى الدولة صاحبة المطالبة، تُقدّم بيرو درسَين لا درسًا واحدًا.

الأوّل: إنشاءُ مؤسّسات متخصّصة مبكّرًا، والتحرّك ما دامت الفرصة السياسية والدبلوماسية والاستدلاليّة مفتوحة. تستحقّ سرعةُ الاستجابة البيروفية الأوّلية دراسةً جادّة.

الثاني: لا يمكن معاملةُ حوكمة ما بعد الاسترداد بوصفها فكرةً لاحقة. فوجهةُ الثروة المستردّة واستخدامُها يجب أن يُدعَما بسلطة واضحة، وضمانات موثوقة، وصنعِ قرار شفّاف، ومساءلة فعّالة.

وينبغي إرساءُ هذه الحمايات قبل إعادة الأصول الجوهرية، لا ارتجالُها بعد أن تكون الثروةُ قد دخلت سلفًا تحت سيطرة الدولة.

وذلك الدرس الثاني يجب أن يستنير به الجيلُ القادم من حوكمة استرداد الأصول.

السرعةُ والمساءلة ليستا هدفَين متنافسَين، لكن يجب تأمينُ الاثنَين منذ البداية.